أحمد بن سهل البلخي
406
مصالح الأبدان والأنفس
1 / 5 / 10 : القول في تقدير الطعام : وممّا يجب تقديم العناية به تقدير الطعام ، وكمّيّة ما يتناول منه ؛ وكان الأقوال من الأطباء وغيرهم قد اتفقت على حمد قلّة الأكل ، وتصدير ذلك سببا لدوام الصحّة ، وأمنا من الأمراض الحادثة ، حتى حكموا بأنّ الحمية أصل الطبّ ، وأنّ قلّة الأكل هو أفضل العلاج . وهذا حكم لا يجوز أن يطلق في كلّ وقت وحال وسنّ وطبيعة ؛ وذلك أنّ حاجة / الناس إلى الاغتذاء حاجة ضروريّة ، ولا بقاء له إلا بالغذاء ، كما تقدّم من هذا القول في أوّل الباب . وإذا كان كذلك فالذي يلحق من نقصان الغذاء ، وإعدام البدن منه ما يحتاج إليه - شبيه بالذي يلحق من الزيادة فيه ، وإعطاء البدن منه ما لا يحتاج إليه في إضرار كلّ منهما بالإنسان ، وتوليده العلل والأمراض عليه . وقد نرى صاحب المرّة الصفراء إذا قلّل غذاءه واغتذى بالأشياء اللّطيفة ، ربّما أدّاه ذلك إلى الوقوع في الأمراض الصعبة بقوّة الحرارة والتهابها فيه ؛ فإنّ صاحب الصفراء إذا قلّل غذاءه واغتذى باللطيف من الأطعمة ، كانت حاله في تقليل الغذاء شبيهة بحال النار العظيمة التي يوضع عليها الدّقاق من الحطب والشوك ، فيحرقه سريعا ، ويبقى بغير مادّة ، وإذا وضع عليها الحطب الجزل الكثير القويّ ، فإنّها تتشبّث وتتعلّق به ، ولا يدعها تفرط في الاضطرام والالتهاب / . فلذلك يجب أن يدبّر كمّيّة الأكل بحسب ما يغلب من الأخلاط على البدن ، إلا أنّه على كلّ حال لا ينبغي للإنسان إذا ابتدأ الأكل فيه حتى تنتهي قوّته ، وتمتلئ معدته ، فلا يبقى فيها فضل ؛ فإنّه متى فعل ذلك ، أدّته أكلته إلى التّخمة ، وربّما غمّته وأدّته إلى علل صعبة ، ولكن يجب أن يمسك عن الأكل وقد بقيت من الشهوة بقيّة تدعوه إلى الازدياد منه ؛ كيلا يتأدّى إلى تلك